ابن الجوزي
230
صفة الصفوة
وسمعته يقول : إن اللّه عزّ وجل جعل قوة المؤمن في قلبه ولم يجعلها في أعضائه . ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفا يصوم الهواجر ويقوم الليل والشاب يعجز عن ذلك . وسمعته يقول : يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمّها إلى صدره وحملها على رأسه فنطر إليه ثلاثة ضعفاء : امرأة ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي ، فقالوا : هذا أعلم باللّه منا لو ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا . فرغبوا في الدنيا وجمعوها . وسمعته يقول : من رضي بالفسق فهو من أهله ، ومن رضي أن يعصى اللّه عزّ وجل لم يرفع له عمل . أبو معاوية الغلابي قال : حدثني رجل قال : قالت امرأة شميط : يا أبا همام إنا نعمل الشيء فيبرد فنشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجيء حتى يفسد ويبرد . فقال : واللّه إن أبغض ساعاتي إليّ الساعة التي آكل فيها . جعفر قال : سمعت شميطا يقول : رأس مال المؤمن دينه حيثما زال معه لا يخلفه في الرجال ولا يأمن عليه الرجال . جعفر بن سليمان قال : سمعت شميطا يقول : من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها . إبراهيم بن عبد الملك قال : قال شميط بن عجلان : إن اللّه عزّ وجل وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس المطيعين به . عبيد اللّه بن شميط بن عجلان ، عن أبيه أنه كان يقول في مواعظه : إذا أصبحت آمنا في سربك « 1 » معافى في بدنك ، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء وعلى من يحزن عليها ، إن المؤمن يقول لنفسه : إنما هي ثلاثة أيام فقد مضى أمس بما فيه وغدا أمل لعلّك لا تدركيه ، إنما هو يومك هذا فإن كنت من أهل غد برزق غد إنّ دون غد يوما وليلة تخترم « 2 » فيه أنفس كثيرة فلعلك المخترم فيه . كفى كلّ يوم
--> ( 1 ) السّرب بالكسر : النفس ، يقال : فلان آمن في سربه أي في نفسه . ( 2 ) أي تموت فيها أنفس كثيرة